محمد ابو زهره
21
خاتم النبيين ( ص )
مجوسية الفرس ، ووثنية الهندوس ، وظلم الطبقات ، ثم كان من وراء ذلك عبادة الأفلاك والنجوم والأرواح في الصين . كان العالم إذن يموج بفساد الفكر ، وفساد العمل ، واضطراب الحكم ، وانقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم ، وسيطرة الأقوياء على الضعفاء ، وقد اشتد الطغيان . وثنية اليونان والرومان : 15 - وبجوار تلك كانت أوروبا تعيش في ظلمات الوثنية ، وكان غربها من الوندال والسكسون قبل المسيح يعيشون في جاهلية عمياء ، لم يكن فيها هاد ولا مرشد ، كما تعيش بعض القبائل في مجاهل أفريقية ، ولا فرق بينهم إلا في اللون ، فأولئك بيض وهؤلاء سود ولكن الفعل واحد ، والوحشية متقاربة ، ولعل البيض أغلظ أكبادا ، وأقسى قلوبا . 16 - ولما جاءت المسيحية جاءت إليهم بعد أن شاهت ، واعتراها التغيير والتبديل ، وذلك لأن الفلسفتين اليونانية والرومانية من بعدها عجزتا عن إصلاح الأخلاق ، وبث الاطمئنان في القلوب ، والرضا في النفوس ، فكان لابد من دين يقود العقل إلى ما فيه خير العباد . وقد فقدت الأوثان قوة تأثيرها في الجماعات ، إذ أن الفلسفة قد أيقظت العقول ، وإن لم تهدها ، وحركت الأفهام ودفعتها إلى التفكير ، وإن لم تهدها إلى الصراط السوى الذي يسلكه من يستضيء بنورها واحدها ، فكان لابد من دين بجوارها ، وخصوصا أن المدائن الرومانية لم يكن فيها التناسق الاجتماعي الذي يجعل كل إنسان يرضى بما قسم له من حظ . إن التاريخ يحكى أن توزيع الثروة في الدولة الرومانية لم يتحقق فيه العدل الاجتماعي ، فبينما ترى الترف فيمن أفاءت عليهم الدولة بالغنائم والأسلاب من الفتوح الرومانية ترى ألوف الألوف من الناس قد حرموا ما يتبلغون به في حياتهم ، فاستولى عليهم الإحساس بالظلم ، والناس لا يشقون بالام ذاتية وحرمان ذاتي بمقدار ما يشقون لسعادة غيرهم التي امتنعت عليهم ، وكذلك كانت الآلام في سواد الرومان ، ولولا بقايا من الصبر عندهم لانفجروا في ثورات ما حقة لا تبقى ولا تذر . مزج الفلسفة بالدين : 17 - وفي هذا الوقت أرادوا أن يمزجوا الفلسفة بالدين أو يحلوا الفلسفة محل الدين ، إذ أخذت التماثيل تفقد قوتها ، ولم يعد لها سلطان في التأثير في نفوس الشعوب ، وفقدت معابد الأوثان ما كان لها من روعة ، ولقد كان يعتور النفس الرومانية حينئذ عاملان قويان كلاهما فيه شدة وبأس ، فشعورهم بالبأساء